يا مالك ليقضي علينا ربك

هل تتخيلون بأن هنالِك أُناسٌ يرفضونَ أن يخلّدوا في الآخرة ؟!! ويتمنون الموت وأن يبقوا ميتينَ إلى الأبد ؟!! بل وحتّىٰ يتمنون أنهم لم يُخلقوا أساساً ولم يكونوا بشراً ؟!! ويتحسرون لانهم خُلقوا بشراً بأرواحٍ وعقول ويتمنون أن لو كانوا بهائم تموت وتفنى وتنتهي إلى الأبد أو تراباً لا روحَ لهُ ولا بعث !!

نعم ، إنّهم أهل النارِ كفانا الله وإياكم سعيرها وحرّها ولهيبهاً ووالدينا وأهلينا كُلّهم ..

ينادون على الملائكة ويطلبونهم الشفاعة عند الله لا ليخرجهم من النار ، بل ليميتهم ويُهلكهم إلى الأبد حتى يرتاحوا من هذا العذاب !! فما كان من المَلَك المُكلّف بالنار _أجارنا الله منها_ إلا أنه أجابهم بأنهم باقون فيها إلىٰ أن يشاءَ اللهُ سبحانه ، يقول الله عز وجل عن هذا الموقف في سورة الزُخرف : ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ .

وفي وقت الحساب العسير عندما يتمنى الكفار أن الله لم يخلقهم وجعلهم تراباً لاروح له ولا شيءً يُذكر ولا يحاسب ويُسئل ، يقول الله تعالى في سورة النبأ : ﴿ إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ﴾ .

وهنالِك موقفٌ عظيم أيضاً عندما يُوتى بالنار أمام الخلائق ، فيتمنى المقصرون في الدنيا أنهم عملوا وصلوا وتصدقوا وأحسنوا وجمعوا الحسنات لهذا اليوم وهذا الموقف العظيم ، حيث يقول الله تعالى في سورة الفجر : ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ .

فأللهَ اللهَ بالطاعات والصداقات والإحسان والإلتزام وعمل الخير والبُعد عن الشرّ وعن المعاصي والمنكرات مادام الفرصة سانحه ومادام للروحِ بقية . الندم يوم الحساب ليس كمثلِه ندم والحسرةُ ليس كمِثلِها حسرة والخوفُ ليس كمثله والعذاب ليس كمِثلِه عذاب عافانا اللهُ وإياكم .

نحن لم نخلق في هذه الدُنيا لنعمُرها أو لنبنيها فاللهُ عزّ وجل قادِرٌ على بِنائِها ، ولم نُخلق فيها لنستمتع فيها ونلهو ونمرح فالمتعةُ الحقيقية واللهو والمرح والترفيه في الجنة وليس مؤقت بل إلى الأبد ، نحنُ قُلقنا في هذه الدنيا لسنواتٍ مؤقتةٍ لعبادةِ الله فقط ، لنصلي ونصوم وندعوا ونذكر الله ، ومع العبادة لابأس من الأستعانة بأمور الدنيا والأستمتاع القليل المباح بما فيها ، يقول الله تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ ، ولأننا بالتأكيد سنختلف في درجة الإيمان والطاعة بل وحتى في الإسلام والكفر وكذلك اختلاف المحسنين عن المجرمين ، فيجازي سُبحانه المؤمنين الطائعين المحسنين بالجنة _جعلنا الله منهم_ ، ويجازي العاصين الكافرين المجرمين بالنار _عسى الله أن لا يجعلنا منهم_ ، حيثُ يقول سبحانه : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً، وحتى أن الفتن التي نتعرض لها هي بمشيئة الله وعلمه حتى يتميز المؤمنون الصابرون الثابتين على الحق عن الضعفاء المائلون مع الفتن والراكبين لأمواجها ، فيقول سبحانه : ﴿ أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين، مع أنه مع أنهُ سبحانه غنيٌ عن عبادتنا وعن صلاتنا وصيامنا وصدقاتنا كما جاء في الحديث القدسي : [ يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخْيَط إذا أدخل البحر ] .

أخيراً ، أخي لا تأيس من الرجوع ولا من التوبة ولا من الطاعة ، ولا من الجنّة ونعيمها والحياة الأبدية فيها ، وتذكر رحمة الله وعفوه ومغفرته وكرمه العظيم فمثلاً في سورة الفرقان عندما توعد الله المشركين والمجرمين بمضاعفة العذاب يوم القيامة وبالخلود في النار استثنى من يتوب منهم ويسترجع ويؤمن بالله ويعمل الصالحات ، وحتى أنّه سبحانه من عظيم كرمه وعد التائبين باستبدال سيئاتهم إلى حسناتٍ تُحسب لهم بدل أن كانت تُحسب عليهم !! فيقول سبحانه ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ فأي رحمةٍ وكرمٍ أعظمَ من هذا ؟!! .

جعلنا اللهُ وإِياكُم ووالدينا وأهلينا وأزواجنا وأحبّائَنا من أهل الجنّة الخالدين ، وأعادنا وأبعدنا عن العذابِ وعن النارِ وعن الجحيم ..

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبهِ أجمعين ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s