إذا أردت الأمان ، فعليك بالوسط

ينقسم الناس في سعيهم في الدنيا واختلاطهم ببعضهم إلى ثلاثة أقسام : الأولون ، والمتوسطون ، والمتأخرون ، وهناك فئةٌ قليلة من الناس ليس لهم منزلةٌ ثابتةً ، فتارةً تجدهم مع أوائل الناس ، وتارةً مع آخِرهم ، وتارةً أخرى يذوبون بين هؤلاءِ وهؤلاء .

لكن من هي الفئة الأفضل من غيرها ؟ هل هم الأولين أم الذين يصِلون متأخرين أم أولئك الذين يتموّجًون بينهم ؟!! . طبعاً لايوجد إجابة محددة وواضحة لهذا السؤال ، لأنه لا يوجد مقياس ثابت تستطيع أن تحدد به من هم الأفضل . ولكن بالإمكان أخذ الكثير من الأمور الحياتية اليومية والتي يعيشها الناس يشكل يومي ويتداولونها ويهتمون بها ثم النظر فيها بإمعان والتركيز على الأولين فيها هل هم الأفضل أم المتوسطون أم المتأخرين . هنا ستجد بأن الأفضلية والراحة والرضى يكون لدى الأوسطون لأنهم ليسوا متأخرين ليخسروا ، وليسوا متقدمين ليبرزوا ويتميزوا ويكونوا في الواجهة ، فالتميز والظهور أحياناً يكونُ له ثمنٌ قاسي !! .

إذاً فخير الأمور أوسطُها ، وبدون الحاجة للمقارنات الكثيرة والمُقايسات الزائدة والتحليلات التفصيلية ستجد حتماً ولابد بأن الإنسان الوسط في دُنياه وفي أمورهِ كُلّها هو الأفضل دائماً عن غيره من الناس بغض النظر عن القدرات والإختلافات بينهم .

ديننا الحنيف لم يترك من الخير شيئاً إلا ودلّنا عليه ، ولم يترك من الشر شيئاً إلا حذّرنا منه ، ومما دلة عليه شريعتنا السمحة وأوصانه بهِ ديننا الحنيف أن نختار من الأمور أوسطها ، وأن نجعل لأنفسنها منها أيسرها ، وأن نبتعد عن التكلّف والتبذير والإسراف والتزمّت في الأمور كلها . وفي مقابل ذلك أيضاً أن لا نجعل من آخر الصفوف مكانً لنا ولا من القِلّةِ في النصيب حظنا ، ولا من البُخل عادةً لنا . فنحن أمةً وسطا وخُلقنا وسطا وسنكون يوم القيامة وسطاً وعلى العالمين شهوداً . وهناك من الآيات في القرآن الكريم ما تدل على ذلك ، فقد قال عزّ من قائِل في مُحكَم تنزيلِه : ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ ، ونهى سُبحَانه عن التبذير والإسراف في قوله جلّ جلاله : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾ ، ويقول عزّ وجلّ أيضاً : ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً ﴾ ، كما أمر سبحانه في كفارة اليمين إخراج الوسط من الطعام : ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ، حتى في الفرائض فقد فضل الله الوسط منها عن غيرها وأوصى عليها فقال تعالى : ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ ﴾ .

وفي الحديث الشريف يقول نبينا المصطفى ﷺ : [ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا ] ، رواه البخاي . وقد قال علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه : ” لاتكن ليّناً فتُعصر ، ولا قاسياً فتُكسر ” .

يطول الحديث في هذا الأمر ، ولكنّ مختصره أنك أن كنت تبحث عن الأمان فعليك بالوسط والتوسط في أمورك كلها ، فلا فوزٌ عاجل ولا خسارةٌ متأخرة ، أمسِك العصا من أوسطِها .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s