نوافذ ليلة العيد

نوافذ ليلة العيد

     ليلة عيد الأضحى المبارك بعد صلاة العشاء يخرج عبدالله من منزله متوجهاً إلى السوق وبرفقته أبنه محمد ذي العشرة أعوام وابنته نوره ذات السبع سنوات، في الطريق إلى السوق وهم يسيرون مبتهجين فرحين تغمرهم السعادة يستذكرون طلباتهم ويعيدونها على بعضهم، فحمود كما يُحِب والِدتُه أن تُناديهِ دائِماً يؤكد لوالده ما يريد شراءه من محل الملابس الرجالية، والنوري حبيبة والِدها قد اشترت لها أُمُّهَا ملابسها قبل أيام ولكنها جاءت برفقتهم لإختيار الحلويات والعصائر وكعكة العيد _التورتة_ كما أوصينها أخواتُها الكُبريات. يختار حمود ما يعجبه من محلِّ الملابس وبدون الأخذ بملاحظات والِده، وفي محل الحلويات تُشير النوري على الأنواع التي تريدها من الحلويات والأب عليه أن يُخرج محفظته للدفع فقط. يعودون لمنزلهم مُحملين بكلّ جديد من ملابسٍ وحلوياتٍ وعصائرٍ لم يستطيعوا حملها وإدخالها للمنزلِ دُفعةً واحدة. بعد ما ارتاح عبدالله قليلاً من مشوار السوق جاءته النوري دلّوعةُ البيتِ كما يسميهنا أخواتُها تُناديه لمجلس المنزل الداخلي من أجل الحفلة العائلية بمناسبة العيد. يجلس عبدالله بجانب زوجته وعلى يمينه وليُّ عهده أبنهُ حمود ومن حوله بناتِه الباقيات. ويُشعلون الشموع ويبدأون بتقطيع الكعكة أو تورتة العيد ويصورون كلّهم بتطبيق السناب ويُغلّفونها بفلتر العيد ويضعونها في صدر القصة العامّة ليُشاهدها جميع المضافين لديهم من أقرباءٍ وأصدقاء. ويقومون من مجلسهم وكل شيء لم ينقص وكأنه لم يجلس هُنا أحد، فالهدفُ من هذه الحفلةُ ليس فرحةُ العيد فقط بل من أجل التصويرِ أيضاً .

     بعدها تركنا عبدالله وعائلته والسعادة تغمُرهم وذهبنا لكي نُطِلّ من نافِذة أخرى بعيدة جداً على الحدود الجنوبية للمملكة . فإذا فهد والذي لم يمض على نقله للخطوط الأمامية سوى الثلاثةِ أسابيع لم يضطر قبلها أن يكون بهذا الموقف طوال سنوات عمله بالقوات المسلحة . فهد جالساً في مخبأه خلف أكياس الرمل ممسكاً بقناصته الكندية المتطوّرة والتي يصل طولها إلى المتر ونصف  ، ويبلُغ مداها إلى الألفي متر ، وعليها ذلك المِنظارُ الإلكتروني والذي يعمل بنظام الأشعة فوق البنفسجية من أجل الرؤية الليلة وفي مقدمتها كاتِمٌ للصوت لأن لحظاتِ الموت في تلك الأماكن ليس لها ضجّة . فهد جالسٌ على بندقيته ومن خلفهِ زميلاه سلطان ومنصور ، وكلّهم حذر وترقّب وإنصات لأي صوتٍ أو حركةٍ أو هجومٍ حوثيٍ مُباغت . يطلُب فهد من زميله منصور أن يجلس مكانه لأنه يريد الرجوع إلى الخلف قليلاً لمكالمةِ عائلته كما فعل زميلاه من قبله . يبتعد فهد حوالي العشرين متراً ويجلس خلف تلك الحجر الكبيرة ويتصل على والده ويسلم عليه ويهنئه بالعيد ويطمئَن كُلٌ منهما على الآخر ويدعوا له والده دعواتٍ قلبيةٍ خالصة سبقتها بساعات دعواتٌ كثير في نهار عرفة . يسأل فهد والده إذا ما كانت أمه قريبةً منه لكي يسلّم عليها أيضاً ، فيجيبه بأنها موجود وتنتظر اتصاله من أولّ الليل ، هُنا يتغير مسار المكالمة فجأة فتتبدل الكلمات إلى عبرات ، لم تتمالك أم فهد نفسها عندما سمعت صوت ابنها المحبوب بعيداً عنها في ليلة العيد لأول مره في حياتها فبدأت في البكاء كما هي عادت الأمهات ، فكل عيد كان يصلي المغرب عندها ويجلس معها إلى العشاء ، فهد كان متماسكاً مسيطراً على مشاعره تحذوه الشجاعة ورباطة الجأش، ولكنّه في لحظة واحدة عندما سمع صوت أمه الحنونة إنهارت أعصابه وشعر بأنه كطفل قد فقد والدته في إحدى الأسواق ثم وجدها وضمّته ، فهد تخنقه العبرات ولم يعد يستطع أن ينطق بكلمة واحد وشعر بغصة كبيرة وألمٍ في بطنه وكأنه بطنه إلتصق بظهره وشعورٌ غريب بالضعف كاد أن يُفقده وعيه لولا أن ذكر الله وتعوذ من الشيطان الرجيم ، يعود ليمسح دموعه ويهدئ والدته ويذكّرها بالله وبأنه سيعود قريباً ويمازحها بأن تُخبئ لهُ في الثلاجةٍ نصيباً من لحم الأضاحي حتى يعود . بعدما سلّم فهد على والديه ومسح دموعه بدأ في الحنحنة والكحكحة حتى يُعيد صوته الجش بعد البكاء لما كان من قبل حتى لا تشعر به زوجته التي بدأ في الإتصال بها . يسلم على زوجته وهنا فصلٌ آخر من الحنين والشوقُ الحارِق ، لكنه لن يبكي هذه المرّه ولن يسمح للعبرات بأن تخنقه أو تفضح ضعفه الداخلي ولن يُشعرها أبداً بأي ضعف ، لأنه من بيئة لا يمكن للرجل فيها أن يبدو ضعيفاً أمام زوجته أبداً ولو على موته ، لكنه نسي بأن زوجتهُ ليست غبية فهي تعرفه جيداً وتشعر بهمساته ونبضات قلبه ومشاعره من أولِّ كلمتين من صوته ولهذا سألته : هل أتصلت بأمك ؟!! فيجيبها بنعم ويُدرك بأن اكتشفت بكاءه قبل دقائق . تسأله زوجته عن حاله وعن عمله لكي تنسيه بعض حزنه ، وتُبلغه أيضاً بأنهم بخير ولم ينقصهم شيء من مشتريات العيد حتى تُطمئن قلبه . بعدها يسلّم على أولاده وبناته الصغار وكلاً منهم يشتكي عليه من الآخر كعادة الأطفال ، وكذلك يخبرونه كلهم ماذا سيلبسون غداً في العيد . يعود فهد إلى ثكنته وإلى بندقيته بعدما أنتهى من مكالماته التي أحزنت قلبه في بدايتها ولكنها أسعدته في نهايتها عندما سمع أصوات أطفاله وضحكاتهم وأطمئن عليهم .

     تركنا فهد وهو ممسكٌ ببندقيته وذهبنا لنفتح نافذة أخرى من نوافِذ العيد ، ولكن هذه المرّة اتجهنا لإحدى ضواحي العاصمة الرياض لضاحية الحائر حيث يقع أكبر سجون المملكة . في إحدى العنابر والذي يسكنهُ العشرات من السُجناء مضى على أذان الفجر أكثر من ربع ساعة . هناك من هم في دورة المياه _أجلّكم الله_ وهناك من هم ينتظرون وقوف أو جالسين على فرشهم . أبو سعد صاحب نقلة المخدرات التي أنقلب بها أثناء مطاردته من أمن الطرق والذي يبلغ من العمر السابعة والأربعون يردّد بأعلى صوته الصلاةُ الصلاه ويدور على الأسرة وعلى غرف العنبر غرفةً غرفة لكي يوقظهم لصلاة الفجر . وصل ابو سعد للغرفة الأخيرة ولكنه لا يدخلها وإنما يقف عند بابها وبصوتٍ هاديٍ جداً :

قوموا الصلاة

العيد ، قوموا

عيد الله عليكم مبارك

فيأتيه صوتٌ أجشٌ من آخر الغرفة ، هو يعرفهُ جيداً انه صوت الجثّة كما يسمونه أو عبيد ، فيقول له وبلغته العاميّة :

خلاص عاد سمعنا

توكل على الله

رح ألبس سروالك وغترتك وجمّع لك حلاو !!!

ابو سعد لم يستغرب هذا الرد أو ينكره بل انصرف مباشرة مبتعداً يردد بيت الشعر النبطي :

ياحبّني للعافية واشريها       واسوق مالي والدبش

في نفس العنبر هناك خالد الذي لم يتجاوز الأربعة والعشرين عاماً من العمر ، دخل السجل في قضية مخدرات قليلة كان قد اشتراها ليستخدمها في العيد ، ولم يمضِ على دخوله السجن سوى أربعةِ أيام . خالد ومِنذُ أن دخل السجن وهو لا يأكل جيداً ولا يشرب جيداً ودائماً وهو في فراشه حزين وعيناه تنهمران بالدموع . جاءُه أبو سعد وجلس عند رأسه وهو يعلم أنه قد استيقظ من نومه ولكنّه لازال يُغطي رأسه باللحاف لأنه بكى مباشرةً بعد استيقاظه عندما تذكّر بأن اليوم هو يوم العيد ، يرفع ابو سعد لحافه عنه وهو يسمع نشيجه من البكاء ويُقبله على رأسه ويضع يديه على كتفه ويحدّثهُ بكلماتٍ حانيه وبعطف الأبوّة وبرحمته لهذا الشاب الصغير الذي صُدِم بتغيّير حياته في لحظاتٍ قليلة من شابٍ حُرٍّ طليق مُدلّل بين والديهِ وأخوته وأخواته إلى مسجون في ظلمةٍ وفي قهرٍ وفي يومِ عيدٍ وبين مجموعةٍ من المجرمين والمروجين والمدمنين والمرضى النفسيين ، فجأة بينما كان يعيش في غرفته الخاصة في بيتِ أهله وفراشه الناعمِ النظيف وجد نفسه في فِراشٍ مستخدمٍ غيرُ نظيف وبين إزعاجٍ وصُراخٍ وشخيرٍ وروائحٌ كريهٌ _أجلكم الله_ قد تكون رائحة الدخانِ أهونها . يقوم خالد بعدما هدأ قليلاً مع ابو سعد ويصليانِ الفجر مع باقي السُجناء في العنبر . عندما جلسوا بعد الصلاة جاء أبو سعاد لخالد بالجوال السري الذي لا يعرف عن حراس السجن شيئاً ولا حتى المساجين إلا القلّة الخاصة فيقول له :

خُذ الجوال ، عيّد على أهلك

خذ راحتك ، الرصيد مفتوح

ينقبض قلب خالد من الخوف ومن الفرح لأنه لم يتحدث مع أمّه وأخواته مِنذ الإمساك به في تلك الليلة ، يعطيه ابو سعد الجوال ويذهب ويتركُه وحيداً ليأخُذ حريته . يتصل بجوال أمه التي يحفظ رقمها ، فترُد عليه وكأنها تعلم بأنهُ هو المتصل مِنذُ أن شاهد بأن الرقم المتصل هو إحدى الأرقام الغريبة وليس مُسجلاً لديها ، فهي تنتظرُ اتصالهُ بلهفه وشوق وتنتظر أي رقمٍ مجهول يتصل بها لأنها تعلم بأنه هو المتصل ، يسلم على أمّه ويجهش بالبكاء مباشرةً ويطلب السماح منها ، ويخبرها بأنه مشتاقٌ لها ولأخواته ولبيتهم ، بالتأكيد إنهارت أمّه بالبكاء وغاب صوتها للحظات ، ولكنها تذكرت وصيتة بناتها الكبريات لها بأن لا تبكي عندما يتصل بها وأن تكون قوية ومتماسكة حتى لا تؤثر على أبنها الشاب لأنه في موقفٍ صعب وفي مكانٍ مؤلمٍ مخيف وبكاءُها سيزيد من حُزنه وألمه ، فبدأت تحكي له بأن الأمر طبيعي وأن مدة السّتَةَ أشهرٍ ستنقضي بسرعة وبأن أبوك لم يعد زعلانً عليك كما كان في بداية القضية ، ثم تزّف له البشرى بأنها ستزوره اليوم بعد العصر هي وأخواته كلّهم . تغيرت نفسية خالد وشعر بنشوةٍ قليلة وارتفعت معنوياتهُ وتغيّرت حالته للأفضلِ كثيراً ، حتى أنه أعاد الجوال لأبو سعد وقبّل رأسه ويديه وشكره على إعطاءه الجوال الذي لم يكن يعلمُ عنه .

بعدما كُنّا ننوي أن نُغلق نافِذة العيد الرابعة وبعدما اطمئنّا على خالدٍ ورأينا ابتسامته بعد اتصالهِ بأمّه . تفاجئنا بسيارةِ الإسعاف تخرج من بواباتِ السجن مسرعةً باتجاه الدخول لمدينة الرياض فقرّرنا أن نتبعها ونجعل من وجهتها نافِذتنا الأخيرة، فتبِعناها حتى دخلت في وسط الرياض وتوقفت عند مدخلِ الطوارئ لمستشفى الملك سعود المعروف بمستشفى الشميسي . تم إنزالُ المريض وهو فاقدٌ للوعي ملقى على السرير وعليه قِناعُ الأكسجين ويداه ورِجلاه مقيدتان بالحديد _الكلبشات_ فعلمنا بعد ذلك بأنه أحد المساجين المحكوم عليهم بالقصاص في قضيةِ قتل وقد أصيب بإحدى نوبات ارتفاعِ الضغط والسكري بمعدلاتٍ عالية تهدد حياته كما يحصلُ له دائماً . تركناه بين يدي الأطباء الذين تجمّعوا عليه وذهبنا لنفتح نافِذة العيد الأخيرة والتي قررنا أن تكون في أحد أقسام هذا المستشفى الكبير . مبانيٍ كثيرة وبُرجٌ طبي مرتفع وأسيابٍ طويلة وأقسامٍ متعدّدة ، دخلنا في أحد الأقسام والمعنون باللوحةِ (٤ د) فإذا هو قِسمُ تنويمِ العظام ، وإذا العِظامُ هشيم ، أياديٍ مُجبّسه وأرجلٌ معلّقة وارقابٌ مصلوبةٌ مستقيمةٌ لاعِوَج لها ولا التفاته ، تعددت الكسور والسببُ واحدُ معظمها من حوادِث السيارات . خرجنا من هذا القسم ومررنا بعدة أقسام منها القلب ومنها الحروق وقسم الجراحة وقسم الأطفالِ وقسم النساء وقسم الولادةِ وحتى قسمٌ للمشرحة بجانب ثلاجةِ الموتى ولكنه خارج هذا المبنى ، فسبحان الله في مكانٍ واحد : ( حياةُ تُوْهَبْ ، وحياةٌ تُنْهَبْ ) . دخلنا أحد الأقسام وكُنّا نريد الخروج منه سريعاً ولكننا لم نستَطِعْ ، إنه قسمُ تنويم الأورام . في هذا القسم تدخُل طامِعاً بالدنيا وتخرج زاهِداً فيها ، تدخلُ ونفسُك تُمنيك البقاء وإِعمار الدنيا والتمتعُ بها وبزينتها سنين عديدة وأزمِنَةً مديدة وتخرج وأنت تدعوا لنفسِك بالراحةِ من همّها وغمها بِحُسْنِ الخاتمة ، لأنك هنا تعلم جيداً حقيقة الدنيا . في هذا القسم يشعر قلبُك بالإنقباض مراتٍ عدّة وتتحرّكُ مشاعِرك ، جميع الأعمار كبار وصغار نساء ورجال وأطفال ، أطفالٌ فقدوا ابتسامتهم ، ونساءً فقدن جمالهن وشعرهُن ، ورجالٌ فقدوا قوتهم وصلابتهم . هناك من أخذ جرعته من الكيماوي وهناك من ينتظره الدور ، وهناك من تمكن المرضُ منه ونخر جسده ، وهناك من له أملٌ في الشِفاء بأمر الله . شيئٌ واحد تراه في أعين هؤولاء المرضى إنه الخوف ، إنه الأسىٰ ، إنه الحُزن ، إنه الألم . في الحقيقة فإنه من يريد إكتشاف حقيقة الدنيا وأنها دُنياً زائلة وفانية وقد تكون نهايتها مفاجئه فعليه بزيارة المستشفيات والتجول في أروقتها وبعدها سيستطيعُ حتى أن يروّض نفسه كيفما شاء وسيجدها مطيعةٌ خاضعة . خرجنا من القسم ومن المستشفى بأكمله وأغلقنا النافِذة الأخير وأعيننا تنهمر من الدموع .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s