عَزِّتِي لِلّْي مَاعِنْدَه بَنَاتْ ، ،

البنات وما أدراك ما البنات ، قلوبٌ طاهِرة ، وحِنيِّةٍ ظاهِرة ، وطِيبةٍ لافِتَة ، نعم هكذا أَرَاهُنَّ ، وهَكَذا رَبِّي خَلَقَهُنْ .

تختلِفُ البيوت بطبيعتها وحجمها عن بعضها البعض ، فهناك العائِلاتُ الكبيرة وهناك العائلات المتوسطة وهناك العائلات الصغيرة التي لا يزيد عدد أفرادُها دائماً عن الخمسة بما فيهم الأبَ والأُم . وفي هذه العائلات نجد اختِلافاتٍ أخرىٰ كثيرة ولكن ما أُريدُ التركيز عليه هو الإختلاف في تركيبة العائِلات عن بعضها من حيثُ الأجناس والأعمار ، فلو نظرنا حولنا لوجدنا بأن هناك عائلات بها أشخاص كِبار في السِّن مثل الجد أو الجدة وبعض العائلات بها نسبة أطفال كثيرة ، والبعض الآخر من العائِلات نجد بأنه تكثُر بها نسبة الأبناء الذكور سواءً شباب أو أطفال وبعض البيوت الأخرىٰ تكثُر فيها البنات سواءً فتيات كِبار أو أطفال صغيرات وفي هذا البيت بالذات سنُنِيخُ رِكابنا وسننزل فيهِ ضيوفاً ونتأمّل في تلك المخلوقات العجيبة اللطيفة التي دائِماً ماتكونُ عنواناً للبراءَةِ والحنيّة .

أرزاقُ الله يُقسّمها بين عِبادهِ كيف يشاء سُبحانه فيَهَب لِمن يشاءُ إناثاً ويَهَبُ لِمن يشاءُ الذكور ويجعلُ من يشاءُ عقيماً ، وياحَظَّ من أصلح اللهُ له ذريّتهُ ذكوراً كانوا أو بنات فالأبناءُ بلا صلاحٍ إبتِلاءٌ وبلاء كما في قصّة موسىٰ مع الخِضر عليهُما السلام في سورة الكهف ، حيث قام الخِضر عليه السلام بقتل ذلك الغلام فَفَزِع موسىٰ عليه السلام من ذلك وقال للخضر كما في الآية : ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ولكن الخضر كان يعلم كما علّمه الله من أمور الغيب بأن هذا الغلام لو كَبِر فسيكون بلاءً وشراً على والديه ، فقتله لكي يعوضهما الله بولدٍ آخر أصلحَ وأبرَّ لوالديه مِنْه كما في الآية : ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ ، ولكن هذا التعويض الرباني كان بسبب صلاح الأبوين أولاً كما جاء في الآية : (فكان أبواهـ مؤمنين) وبسبب هذا الإيمان كان الجزاء ولداً صالحاً باراً بِهما . إذاً فكلُّ أبٍ عقيم أو أُمٍ عاقر فلا يحزنا فقد فالله أرحمُ وأعلمُ بِحالِهما وما منع عن مؤمِنٍ خيراً في الدُنيا إلا عوّضهُ عنهُ بأَضعافهِ في الآخرة ، وقد يكونُ سبحانهُ قد كفاهُما بلاءً وهمً وحسرة كما قال الله تعالىٰ في آية الكُرسيّ : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ، فرُبما كان هذا الإبن أو هذه الفتاة غيرَ صالِح ويمشي في طريقِ الضلالةِ والعصيان ، أو يكونُ مريضاً طوال حياتِه أو مُعَاقَاً لا يستطيعُ تدبيرَ شؤونِه إلا بمساعدةِ الآخرين ، وأكثرُ الأمور ألماً وحسرةً في حُبِّ البنينِ والتعلُّقِ بِهم هو فَقْدُهم في عِزِّ شبابِهم أو هُمّ أطفالاً ولا يُدرِكُ هذا الشعورَ إلا من جرّبه كفانا اللهُ وإياكُم شرّ الفَقْدِ وحَفِظ لنا أبنائنا وبناتِنا ورزقنا بِرّهُم . ومن هذِه المشاعِرُ المؤلمة أودُّ أن أطرَحَ سؤلاً مُهماً على من رُزِقَ ببناتٍ وحُرِم الأولاد : ماذا لو رزقك الله بدل إحدى بناتِك ولداً أو ولدينِ بَدَلَ ابنتين وحدَث لهُما من مصائِب الدُنيا ما تسبّبَ في وفاة أحدِهما أو كِلاهُما فماذا سيكونُ شُعورُكَ عِندها ؟! . هذا السؤال لو أنك سَألتَهُ لوالِدِ بناتٍ فقط أو والِدةٍ لم يرزُقها الله إلا بِبنات فستكونُ إجابتهُما : لاكَتَبهُ اللهُ مِن فألٍ ولا قاله ، فمن جرب أبوّةَ ابنتِن واحِدة كَفتهُ عن عشرةِ أولادٍ وبنات . وهذا بالطبع من غير الفضل العظيم الذي أعدّهُ الله لِوالد البنات من الفضل والأجر العظيم ففي الدُنيا سببٌ في سِعَة الرِزق وحُسن الخُلق وفي الآخرة تكون البنت وِقايةً لوالِديها من النار كما قال ﷺ : ﴿من عالَ ثلاثَ بنات أو ثلاثَ أخوات ، أو ابنتين أو أختين كُنَّ لهُ حِجاباً مِنَ النار ، فإن صَبَر عليِهُنّ حتَّىٰ يُزوّجَهّنّ دَخَل الجَنَّة﴾ .

للفتيات حِسٌ مُميّزٍ في البيت لا يملِكهُ أَحدٌ غَيرَهُنَّ مِن أفرادِ العائِلة . إذ أنَّ الفتيات مِنذُ نعومةِ أطفارِهِنّ بتميزن بِعاطِفةٍ جيّاشة وحنَانٍ زائِدٍ عن غَيرِهِنّ . هذه العاطفة المميزة تميلُ إلى التناقِض أحياناً فساعةً تَجِدُ الفتاة تَشعر بالسعادة وساعةً أخرىٰ تِجدها تنهارُ إلىٰ حُزنٍ شديد ، لكن هذه المشاعِرُ المُتناقِضةُ لا تبرُز إلا معَ بُلوغِ الفتاة بسببِ اكتِشافِها لِأَحاسيس عميقةً في داخِلِ روحِها لم تعْهدها مِن قَبل . فالبنات بِحُكمِ أنهُنّ أذكىٰ مِن الأولاد فهُنّ أقدرُ على تجربةِ المشاعِر وفِهمها والتعايُشُ معها . وذكاء البنات يبرُزُ عِندَهُن مِنذُ الصِغَر ، فعِندما تَجِدُ فتياتٍ أطفال يلعبن مع من في عُمرِهنّ من الأولاد تُلاحِظُ بأن الفتاة هي من تُمسِكُ بِزمامِ الأمور وتُسيطرُ على من معها من الأولاد .

ومما يميز البنات قُربَهُن لوالدِيِهِنّ أكثر مِن الأولاد . وكما يقول المثل “كُلُ فتاةٍ بأبيها مُعجبة” والمُلفِت أنَّ هذا الإعجاب يبدأ مِنذُ الطفولة . لذا يجب أن يُقابل هذا الوِدّ والحنان والعاطِفة بالإحتضان والتفاعُل الإيجابيّ والتوجية والعطاء . فمن السلبيات التي تُلاحظ على كثيرٍ من الآباء إهتمامُهم بتربية الأولاد أكثر من اهتِمامُهم بتربية البنات وهذا من الجهل ومن غِلظة العرب التي يتميزون بها ، لأننا في مجتمعاتِنا العربية لدينا مشكِلات إجتماعية في التعبير عن عواطِفِنا وإظهارُها للمحيطينَ بِنا .

تتميز البيوت التي أغلب أبنائِها فتيات أو كُلهم بأنها في الغالب بيوت سعيدة وتكاد تنعدِم فيها الرتابة والملل أو الركود ، لأن البنات أغلب أوقاتَهُنّ مُتواجِدات في البيت بِعكس الأبناء الذين يتضجّرون من الجلوس في البيت ويُفضلون التجوّل خارِجاً . كذلك يتميز البيت البناتي أي من أكثر أفراده بنات بأنه مُرتّب ونظيف ودائماً تكون الروائح في أرجائِه عَطِرةٌ ومنعِشةٌ ومميزة وهذا يعود لطبيعة الفتيات الاتي يمِلن إلى النظافةِ والأناقةِ والإهتمامِ بالنفس وبالطبع هذه الأمور لا يهتمُ بِها الأولاد ولا يفِكرون فيها وبعضُ الأولاد لديهِ مفاهيمٌ خاطئة بأن نظافة الثيابِ الدائمة والإهتمام بالشكل والمنظر يخالِف مبادئ الرجولة التي تقوم على الخشونة والأفعال والأقول لا المظاهِر والأشكل ، ومع أنَّ هذا المفهوم صحيحٌ في ظاهرة إلا أنه يحمِلُ أخطاءً في فِهمه وتطبيقه . كذلك تتميزُ البيوتُ البنّاتية كما أُفَضِلُ تسميتها بأطيب الأَكلاتِ وأشهاها ، فكُلُّ واحِدةٍ منهُن تُنافِسُ أخواتِها في الوصفات اللذيذة والجديدة دائماً . وكذلك تتميز الفتيات دائِماً بالإستجابة الإيجابية للتربية ، حيثُ يمِلْنَ دائماً إلى الخوف من فِعلِ الأخطاء والإلتزام بالأمور الصحيحةِ وتطبيقها واستماع الكلام دائِماً من المربية أو الوالدين بعكسِ الأولادِ أصلحهُم الله كما هُم أطفالٌ أشقياء كذلك في كِبَرِهم أشقياء وقد ينحرِفُ الكثيرُ منهم بسبب الصحبةِ والبعدِ عن الرقابةِ الأبوية في داخل البيت .

حقيقةً ماداعني للكتابةِ عن هذا الموضوع هو التفكير في الفرد الأَكثرُ َتأثُراً من هذا الموضوع سواءً بالإيجاباً أو بالسلب ألا وهي [ الأُمّْ ] . الأُم في المنزل هي الرابِح الأكبر من كون الأبناء أكثرُهم فتيات أو كُلّهم ، وبالطبع الأسباب كثيرة كونهن من نفس جِنسها ونفسِ طبيعتِها وتقريباً بنفس تفكيرِها دائِماً . لكن الأولاد في المقابِل أشقياء في صِغرهم وستئقي مشاوير في مراهقتِهم وضيوفٌ بعد زواجِهم ، أما البنات فمرِحاتٍ في طفولتِهنْ ومنطوياتٍ وهادِئاتٍ في مُراهقتِهنّ وحافِظاتٍ للأَسرارِ وصديقاتٍ لأمِهن بعد زواجِهن . فلوجودِ البناتاتِ في المنزل الكلُ سعيد والكل مُبتهج ولكن الرابح الأكبر هي أُمُهُنّ .

لكن هناك بعضُ البيت لايكون فيها فتيات أو فتاةٌ واحِدةٌ والباقي أولاد ، ويا للعجب من معاناةِ تلك الفتاة الوحيدة بين إخوانها أو معاناةِ تلك الأُمُّ الوحيدةُ بين أبنائها مع أن كِلتاهُما يُعاملْن أحياناً كالملِكات رحمتن بِهن أو تقديراً لجُهدهن في خدمة أولئك البِضْعَ من الرجال لوحدهِن . لكن مهما كان الأولاد مؤدبين وبارين بأمهن أو أختهن الوحيدة إلا أنها تشعُر بالوحدةِ دائماً لأن طبيعة المرأة إجتماعية وتُحب الإختلاط والجلوسَ دائما مع أقرانِها من النساء .

أخيراً ياصديقي القارئ ، أيُّ البيوتِ بيتَكُم ؟! هل هو من البيوت البنّاتيّة الورديّةُ الأنيقة أم من البيوت الولّاديّة الذكوريّة وكأنّه سكنُ لِطُلِابِ الجامعة ؟!! فإذا كان بيتُكم من النوعِ الأول فاحمَدِ الله على ذلك ، وإن كان بيتُكُم أغلبُهُ أولاد احمدِ الله أيضاً على ما ابتلاكَ ربي بِه واسأله أن يُعوضَكَ خيراً في الدُنيا والآخرة . حَفِظَ اللهُ لنا فتياتنا وأولادَنَا وإخواتنا وإخواننا وأُمهاتِنا وبناتِنا وأهلنا وأقارِبنا كُلّهُم .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s